ابن كثير

241

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

أول من سن القتل » « 1 » . وقوله تعالى : وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ أي يكذبون ويختلقون من البهتان ، وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثا فقال : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا صدقة ، حدثنا عثمان بن حفص بن أبي العالية ، حدثني سليمان بن حبيب المحاربي عن أبي أمامة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بلغ ما أرسل به ، ثم قال : « إياكم والظلم ، فإن اللّه يعزم يوم القيامة فيقول : وعزتي وجلالي لا يجوزني اليوم ظلم ثم ينادي مناد فيقول : أين فلان بن فلان ؟ فيأتي يتبعه من الحسنات أمثال الجبال ، فيشخص الناس إليها أبصارهم حتى يقوم بين يدي الرحمن عز وجل ، ثم يأمر المنادي فينادي : من كانت له تباعة أو ظلامة عند فلان بن فلان فهلم ، فيقبلون حتى يجتمعوا قياما بين يدي الرحمن ، فيقول الرحمن : اقضوا عن عبدي ، فيقولون : كيف نقضي عنه ؟ فيقول : خذوا لهم من حسناته ، فلا يزالون يأخذون منها حتى لا يبقى منها حسنة ، وقد بقي من أصحاب الظلامات ، فيقول : اقضوا عن عبدي ، فيقولون : لم يبق له حسنة ، فيقول خذوا من سيئاتهم فاحملوها عليه » ثم نزع النبي صلى اللّه عليه وسلم بهذه الآية الكريمة وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ [ النساء : 40 ] . وهذا الحديث له شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه « إن الرجل ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال وقد ظلم هذا ، وأخذ من مال هذا ، وأخذ من عرض هذا ، فيأخذ هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإذا لم تبق له حسنة ، أخذ من سيئاتهم فطرح عليه » . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن أبي الحواري ، حدثنا أبو بشر الحذاء عن أبي حمزة الثمالي عن معاذ بن جبل رضي اللّه عنه قال : قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا معاذ إن المؤمن يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه حتى عن كحل عينيه وعن فتات الطينة بإصبعين ، فلا ألفينك تأتي يوم القيامة وأحد أسعد بما آتاك اللّه منك » . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 14 إلى 15 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ ( 14 ) فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ ( 15 ) هذه تسلية من اللّه تعالى لعبده ورسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم ، يخبره عن نوح عليه السلام أنه مكث في قومه هذه المدة يدعوهم إلى اللّه تعالى ليلا ونهارا ، وسرا وجهارا ، ومع هذا ما زادهم ذلك إلا

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجنائز باب 33 ، والديات باب 2 ، والاعتصام باب 15 ، ومسلم في القسامة حديث 27 ، والترمذي في العلم باب 14 ، والنسائي في التحريم باب 1 ، وابن ماجة في الديات باب 1 ، وأحمد في المسند 1 / 383 ، 430 ، 433 .